اعتادت البشرية على قياس الثروة من حيث النفط والغاز والذهب. فعلى مدى قرون، حددت هذه الموارد السياسة العالمية والحروب والتنمية الاقتصادية. لكن القرن الحادي والعشرين جعل من الواضح بشكل متزايد أن المياه أصبحت المورد الأكثر قيمة للمستقبل. ليس النفط، ولا الماس أو حتى المعادن الأرضية النادرة، بل الماء هو مصدر الحياة، وبدونه لا يمكن أن يكون وجود الإنسان أو تطور الحضارة ممكنًا.

واليوم، يعيش الملايين من الناس بالفعل نقصًا في مياه الشرب النظيفة، ويزيد تغير المناخ من حدة هذا التحدي. فبينما كانت الأنهار تتدفق في السابق بكامل جريانها، هناك اليوم صحراء وجفاف. وحيثما كانت المياه تبدو ذات يوم غير قابلة للنضوب، أصبح من الضروري استخراجها بتكلفة وجهد كبيرين. وإذا كان النفط يسمى في الماضي "الذهب الأسود"، فإن المياه أصبحت على نحو متزايد "ذهبًا أزرق" - وهي ثروة يعتمد عليها الوجود نفسه.

لن يُبنى اقتصاد المستقبل حول الهيدروكربونات، بل حول الموارد المائية. فالبلدان القادرة على الحفاظ على أنهارها وبحيراتها ومصادرها الجوفية وتعلم إدارتها بكفاءة ستتمتع بميزة استراتيجية. فالاستثمارات في تقنيات تحلية المياه، وفي تنقية المياه والحفاظ عليها، وفي أنظمة توزيع المياه واستخدامها بكفاءة أصبحت اليوم أكثر أهمية من إنتاج النفط أو الغاز. ففي النهاية، يمكن الاستعاضة عن النفط بالطاقة المتجددة، أما المياه فلا يمكن الاستعاضة عنها.

واليوم، يواجه أكثر من ملياري شخص نقصًا في المياه النظيفة. وتقدر المنظمات الدولية أنه بحلول عام 2050، يمكن أن ينمو الطلب على المياه العذبة بأكثر من 501 تيرابايت إلى 3 تيرابايت. أصبح الأمن المائي مسألة استراتيجية وطنية، وأصبحت تقنيات معالجة المياه وإعادة استخدامها وتحلية المياه جزءًا من البنية التحتية الجديدة للقرن الحادي والعشرين.

الاستثمار المسؤول في الموارد المائية ليس مجرد عمل تجاري، بل هو ضمان للمستقبل. فكل استثمار في الحفاظ على مصادر المياه وأنظمة الري الحديثة والمشاريع البيئية وتقنيات تحلية المياه الجديدة هو استثمار في الحياة. فالأمر لا يتعلق بالربح اليوم، بل باستدامة وأمن الغد.

يعلمنا التاريخ أن الحضارات قامت وسقطت حول المياه. فمصر العظيمة نشأت على نهر النيل، وبلاد ما بين النهرين على نهري دجلة والفرات، والصين على نهري هوانغ هي ويانغتسي. وحيثما تدفقت المياه، تدفقت الحياة. واليوم، تواجه البشرية هذا التحدي مرة أخرى، ولكن على نطاق عالمي.

بالنسبة لي، المياه ليست موردًا طبيعيًا فحسب، بل هي أيضًا رمز للمسؤولية تجاه الأجيال القادمة. الاستثمار في المياه يعني الاستثمار في وجود البشرية، في الصحة، في الاستقرار، في إمكانية التنمية. هذا هو خيار أولئك الذين لا يفكرون في سنة واحدة في المستقبل، بل لعقود من الزمن. إنه خيار الأقوياء وبعيدي النظر.

أنا مقتنع بأن المستقبل ملك لمن يستطيع حماية المياه والاستثمار في الحفاظ عليها. لأن الماء أغلى من النفط، وهذه هي حقيقة القرن الحادي والعشرين.

مع الإيمان بالله والمسؤولية والمستقبل.
يشرفني ذلك!

أندري غميرين

هل أنت جاهز للبدء؟

اكتب مهمتك

اترك طلباً أو اتصل بنا بأي طريقة تناسبك.